سعيد حوي

1344

الأساس في التفسير

بني إسرائيل بنعمة اللّه ليقوم على ذلك توكل يدخل فيه اليهود حربا فيرفضون ، ويعاقبون . والتربية في ذلك لهذه الأمّة واضحة ، وسنرى أنه بعد هذا المقطع سيأتي أمر لأمتنا بالجهاد فلا ينبغي أن تكون كبني إسرائيل ، وأما المعاني العامة في هذه الفقرة الثانية فهي : يخبر تعالى عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام فيما ذكّر به قومه من نعم اللّه عليهم ، وآلائه لديهم ، في جمعه لهم خيري الدنيا والآخرة ، لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة . ومن ذلك إرسال الرسل إليهم ، وجعلهم أحرارا يتملكون ، وتشريف اللّه إيّاهم على عالمي زمانهم ، ثم بنى موسى عليه السلام على هذا التذكير الأمر لهم بالقتال ، ودخول الأرض المقدّسة الّتي وعدهم اللّه إياها على لسان أبيهم إسرائيل - إن كانوا مؤمنين - ونهاهم عن النّكول عن الجهاد ، وهدّدهم بالخسران إن نكلوا ، فاعتذروا عن الجهاد والدّخول ، بأنّ في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال قومها قوما جبّارين ، ذوي خلقة هائلة ، وقوّة شديدة ، وإنا لا نقدر على مقاتلتهم ، ولا مصاولتهم ، ولا يمكننا الدّخول إليها ما داموا فيها . فإن يخرجوا منها دخلناها ، وإلا فلا طاقة لنا بهم ، ثمّ أخبر تعالى أنّ رجلين يخافان أمر اللّه ، ويخشيان عقابه ، حرّضا بني إسرائيل بأنهم إن توكلوا على اللّه ، واتّبعوا أمره ، ووافقوا رسوله ، وقاتلوا وهاجموا ؛ أيّدهم اللّه ، ونصرهم ، ونجحوا في احتلال الأرض ، وهاهنا أصروا مرّة ثانية على النكول ، ورفض الدخول ، وترك الجهاد ، وطالبوا - بكل صفاقة - موسى عليه السلام أن يقاتل هو وربه وحدهما ، أما هم فإنهم قاعدون في مكانهم ، فاعتذر موسى عليه السلام إلى اللّه أنه لا يطيعه أحد منهم إلا أخوه ، ودعا اللّه أن يقضي ويفصل بينه وبين قومه الفسقة ، فعاقبهم اللّه - عزّ وجل - حين نكلوا عن الجهاد بتحريم دخولهم عليهم مدّة أربعين سنة ، وعاقبهم على ذلك كذلك بالتيه في الأرض ، ثم سلّى اللّه موسى عليه السلام ، وأمره ألّا يأسف ، وألّا يحزن عليهم فيما حكم عليهم به فإنهم مستحقّون ذلك . وانتهاء الفقرة بقوله تعالى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ مشعر بأنّ ترك الجهاد المفروض والنكول عنه فسوق . ومشعر بالصّلة بين الفقرة ومحور السورة من سورة البقرة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ . . . وأن الجهاد جزء من الميثاق ، الذي من تخلى عنه استحق الضّلال والإضلال ، وهذا يفهم من أول هذا المقطع وَعَزَّرْتُمُوهُمْ . . . لأن النّصرة الحقيقية الكاملة إنّما تكون بالجهاد .